سر طهارة لباس المصلي وبعض اعتبارات القلبية لستر العورة

سر طهارة لباس المصلي وبعض اعتبارات القلبية لستر العورة

کپی کردن لینک

إنّ الصلاة هي مقام العروج إلی مقام القرب، والحضور في محضر الأنس، لذا فإن علی السالك مراعاة آداب الحضور في محضر ملك الملوك المقدس، من قبيل الإهتمام بأدب طهارة لباس المصلي.

طهارة لباس المصلي شرط ردّ الأمانات إلى ربّها

ولما كانت النّفس تحضر في محضر الحق المقدس بمختلف مراتبها ومستویات ظهورها، من أدناها وهو قشر القشر والبدن الملكي الصوري وإلی أعلی مقاماتها وحقائقها وهي لبّ اللباب ومقام سرّ القلب، فعلی السالك أن یحضر كل جنود الظاهر والباطن لممالك السرّ والعلن، ویعرضهم في محضر الحق جلّ وعلا، وأن یقدّم في ذلك المحضر المقدس كلّ الأمانات التي فوضته إیاها رحمة الذات المقدسة، وتفضلت علیه بها ید قدرة الجمال والجلال وهي بكامل الطهارة والصفاء لا سلطة لأيّ موجود من الموجودات علیها، وهو إن فعل یكون قد ردّ الأمانات كما أفاضتها علیه ألطاف الحق تعالی.

لباس المصلي الظاهري والباطني

وبالتأمل البسیط یتجلی أنّ في أدب الحضور مخاطر جمّة لا ينبغي للسالك الغفلة عنها ولو للحظة واحدة، فعلیه أساسا أن یجعل من طهارة لباس المصلي – ستر القشر، بل ستر قشر القشر – وسیلة لطهارة أردیة الباطن، ولیعلم أنه ومثلما یشكل لباس المصلي المتعارف سترا للبدن الملكي، فإن البدن بدوره یشكل سترا للبدن البرزخي، الموجود فعلا، والمستور بالبدن الدنیوي وحجابه.

ثم، ومثلما أن هذا البدن ساتر لذاك البدن البرزخي، فإن الأخیر ساتر للنفس وهو یشكل لباسها وحجابا لها، ثم إنّ النفس بدورها ستر للقلب، والقلب ستر للروح – تلك اللطیفة الخفيّة – وهلم جرا وصولا إلی العدید من المراتب الأخری، فكل مرتبة أدنی، هي ستر للمرتبة الأسمی. وهي المراتب التي تتجلی في خلّص أهل اللّه، فيما یحرم الآخرون من ذلك، غیر أن الجمیع یشتركون في بعض منها، لذا فسوف نشیر إلی ما هو مشترك منها:

اعلم إذن، أنه ومثلما أن الصلاة الصوریة لا تتحقق دون طهارة لباس المصلي وبدنه، ومثلما أن القذارات – وهي الرجز الشیطاني المبعد عن محضر الرحمن – تعدّ من موانع الورود في المحضر المقدس، ومثلما أن المصلّي مقصیّ عن محضر القدس ممنوع من الدخول إلی مقام الأنس، إن كان لباسه – أي لباس المصلي – وبدنه ملوثین برجز الشیطان؛ كذلك فإن قذارات الذنوب والمعاصي – وهي من مظاهر سلطة الشیطان الخبیث ومن أرجازه وقذاراته – تعدّ من موانع الدخول إلی المحضر المقدس.

فالمتلبس بالمعاصي یكون قد نجّس ستر البدن البرزخي، لذا فلن یمكنه الورود في محضر الحق بهذه القذارة، ودون – طهارة لباس المصلي – أي تطهیر هذا اللباس، الأمر الذي یعدّ من شروط تحقق الصلاة الباطنیة وصحتها، غیر أن الإنسان، جاهل بهذا البدن الغیبيّ وطهارة أردیته ونوع قذاراته وشرطیة طهارته ومانعیة تلك القذارات عن الورود في المحضر المقدس، مادام في حجاب الدنیا.

ولكن إذا حلّ یوم الجلاء من هذا الحجاب، وطوت – سلطة الباطن ویوم الجمع – بساط تفرقة الظاهر، وأشرقت شمس الحقیقة مبددة سحب الحجب الدنیویة المظلمة، وفتحت عین الباطن الملكوتیة، وأغلقت العین الحیوانیة الملكیة، أدرك الإنسان آنئذ بعین البصیرة أن صلاته كانت وإلی آخر عمره دون طهارة، أي دون طهارة لباس المصلي الباطني.

وأنه كان غارقا في آلاف الموانع التي كان یكفي الواحد منها مستقلا لإبعاده عن محضر الحق المقدس، وسوف تثقله حینها آلاف الحسرات فلا حیلة یومئذ ولا سبیل لإصلاح ما تلف وجبران ما فات، ولن یتخلف عندئذ سوی الحسرات التي لا آخر لها، وسوی مشاعر الندامة التي لا حدّ لها: وأَنْذِرْهُمْ یَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ[1].

أما إذا تحققت طهارة لباس المصلي الباطني، وجب حینها تطهیر البدن الملكوتي نفسه من رجز الشیطان، وذلك بتطهیره من أرجاس الأخلاق الذمیمة التي یكفي كل واحد منها لوحده لتلویث الباطن وإبعاد الإنسان عن محضر الحق وإقصائه عن بساط القرب، وهي – بعد – من رجس الشیطان المطرود من الرحمة، وتعود في الأصل إلی العجب وحبّ النفس والفخر والتكبّر والاستبداد بالرأي، والتي یمثل كلّ واحد منها مصدرا للكثیر من الأخلاق الذمیمة والكثیر من الخطایا.

أهمية تطهير لباس المصلي الباطني

أما إذا فرغ السالك من هذا التطهیر، وطهّر لباس التقوی بماء التوبة النصوح والریاضة الشرعیة، لزمه بعد ذلك الإشتغال بتطهیر القلب – الستر الحقیقي الذي تشتدّ علیه سلطة الشیطان، والذي تسري قذارته لتنجس جمیع الثیاب والأستار – فلا یمكن تحقیق سائر طهارات لباس المصلي الباطني ما لم یتم تطهیره، ولتطهیر القلب مراتب، نشیر إلی بعضها هاهنا وبما یناسب بحثنا هذا.

مراتب طهارة لباس المصلي

المرتبة الأولى: تطهیره من حبّ الدنیا رأس كل خطیئة ومنشأ المفاسد كافة الذي یحول مادام موجودا في قلب الإنسان دون الورود إلی محضر الحق المقدس، ودون تحقق المحبّة الإلهیة – وهي أمّ الطهارات التي لا تتحقق مع وجود هذه القذارة في القلب – ولعل الإهتمام الذي أولاه كتاب اللّه المجید، والأنبیاء والأولیاء (ع) في وصایاهم، سیما أمیر المؤمنین (ع)، لترك الدنیا والزهد فيها والإحتراز منها – وهي الأمور التي تمثل حقائق التقوی – لا یضاهیه اهتمام آخر بشأن آخر.

وهذه المرتبة من تطهیر لباس المصلي، لا تتحقق إلاّ بالعلم النافع والریاضات القلبیة الحازمة، وصرف الإهتمام نحو التفكر في المبدأ والمعاد، وإشغال القلب بالإعتبار من زوال الدنیا وخرابها، والكرامات في العوالم الغیبیة وسعادتها رحم اللّه أمرءا علم من أین وفي أین وإلی أین[2].

والمرتبة الثانية: تطهیر القلب من الإطمئنان إلی الخلق والوثوق بما لدیهم، وهو الشرك الخفي، بل إنه عند أهل المعرفة الشرك الجليّ.

ویتحقق هذا التطهير – للباس المصلي – بالتوحید الفعلي للحق جلّ وعلا، الأمر الذي یعدّ ینبوع جمیع الطهارات القلبیة، ولا یخفي هنا، أن مجرد العلم الإستدلالي، والمنحي التفكري لا یحققان النتیجة المرجوّة فيما یتعلق بالتوحید الفعلي، إذا لم نقل إن كثرة الإشتغال بالعلوم البرهانیة قد تصبح أحیانا سببا في ظلمة القلب وكدورته وتصدّ الإنسان عن غایته العلیا، لذا قالوا: العلم هو الحجاب الأكبر.

وفي اعتقادي، فإن جمیع العلوم عملیّة، حتی علم التوحید الذي یستفاد كونه علما عملیا من ذات كلمة التوحید فهي علی وزن تفعیل، وبناء علی هذا التصرف فإن كلمة «التوحید» تدل علی اتجاه الكثرة نحو الوحدة وإفناء جوانب الكثرة في عین الجمیع، وهذا المعنی لا یثبته البرهان، بل یدرك بالریاضات القلبیة والتوجه الغریزي نحو مالك القلوب، واطلاع القلب علی ما أثبته البرهان، لإدراك حقیقة التوحید.

بلی، إن البرهان یثبت لنا أن لا مؤثر في الوجود إلاّ اللّه[3]، وهو أحد معاني لا إله الا اللّه، ونحن – واستنادا إلی البرهان – هذا، نحول دون امتداد ید سلطة الموجودات إلی ساحة كبریاء الوجود، ونردّ ملكوت وملك العوالم إلی صاحبها ونجلّي حقیقة لَهُ مٰا في السَّمٰاوٰاتِ والْأَرْضِ[4]، وبِیَدِهِ مَلَكوتُ كلِّ شَیْءٍ[5]، وهُو الذي في السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وفي الأرض إِلٰهٌ[6].

ولكن! ما لم یصل هذا الأمر البرهاني إلی القلب، ویصبح صورة باطنیة للقلب، فهذا معناه أننا لم نبارح حدّ العلم إلی حدّ الإيمان بعد، ولم ننتفع بنور الإيمان الذي ينبغي له أن ینور مملكة الباطن والظاهر.

ولهذا تری أننا ورغم امتلاكنا البرهان علی هذه الحقیقة الإلهیة الناصعة السامیة، واقعون في التكثیر، غافلون عن التوحید الذي یمثل قرّة عین أهل اللّه، لیس لنا إلاّ تردید مقولة: لا مؤثر في الوجود إلاّ الله، والحال أننا ننظر بعین الطمع ونمدّ ید السؤال إلی كلّ من هبّ ودبّ.

خشبیة هي قدم الإستدلال ** والقدم الخشبیة عاجزة للغایة[7]

ویعدّ هذا التطهیر من طهارة لباس المصلي الباطني من مقامات السالكین السامیة، تلیه مقامات أخری تفوق حد طاقتنا، قد نتعرض لها ضمن هذا البحث – إن شاء اللّه – وبما یناسب المقام.

طهارة لباس المصلي واعتبارات القلبیة لستر العورة

قال الإمام جعفر الصادق (ع): إن روح المؤمن لأشدّ اتصالا بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها[8]، وقد ثبت بالبرهان المتین في العلوم العالیة أن دائرة الوجود بأجمعها – بدءا بأعلی مراتب الغیب وانتهاء بأدنی منازل الشهود – هي التعلق والإرتباط المحض بالقیوم المطلق والفقر الصرف إلیه حیث عظمته، ولعل الآیة الشریفة: یٰا أَیُّهَا النّٰاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إلی اللّٰهِ واللّٰهُ هُو الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ[9] تشیر إلی هذا المعنی.

ولو لم یكن لأي موجود من الموجودات – في أیّة حال من الأحوال أو وقت من الأوقات وبناء علی أي  اعتبار من الإعتبارات – تعلق بعزّ القدس الربوبي، فإنه یخرج بذلك عن دائرة الفقر والإمكان الذاتي ویدخل في حریم الغنی والوجوب الذاتي.

ولكي تتجلی في قلب العارف باللّه والسالك إلیه تعالی حقیقة الإيمان  ونوره، فإن علیه أن ینقل هذه المسألة البرهانیة الحقّة، وهذه اللطیفة العرفانیة الإلهیة من إطار العقل والبرهان إلی القلب فيكتبها بواسطة الریاضات القلبیة علی لوح القلب ویدخلها في حدّ العرفان. وأصحاب القلوب وأهل اللّه إنما تخطّوا دائرة الإيمان إلی دائرة الكشف والشهود بشدة المجاهدة وبالخلوة مع اللّه تعالی وعشقه.

ورد في مصباح الشریعة، أن الإمام الصادق (ع) قال: العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع اللّه، ولو سها قلبه عن اللّه طرفة عین لمات شوقا إلیه، والعارف أمین ودائع اللّه، وكنز أسراره، ومعدن نوره ودلیل رحمته علی خلقه، ومطیّة علومه، ومیزان فضله وعدله، قد غنی عن الخلق والمراد والدنیا، ولا مؤنس له سوی اللّه، ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلاّ باللّه، للّه من اللّه مع اللّه[10].

أقوى اللباس لباس المصلي الباطني

والآن! إذا رأي  السالك إلی اللّه نفسه حاضرا في المحضر المقدس للحق جل وعلا، وأدرك أن باطنه وظاهره وسره وعلنه هو عین الحضور، وأن ذلك قد تحقق لنفسه بجمیع شؤونها، فإنه عندئذ سیستر جمیع العورات الظاهریة والباطنیة مراعاة للمحضر ولأدب الحضور، وسوف یدرك أن انكشاف العورات الباطنیة في محضر الحق لأشدّ قبحا وفضیحة من انكشاف العورات الظاهریة: إن اللّه لا ینظر إلی صوركم ولكن ینظر إلی قلوبكم.

والعورات الباطنیة – ذمائم الاخلاق وخبائث العادات وسیّئ الأحوال الخلقیة – تفقد الإنسان لیاقة المحضر وأدب الحضور، وهي المرتبة الأولی من هتك الأستار وكشف العورات.

والإنسان إذا لم یستر نفسه بستر ستّاریّة الحق جل وعلا وغفاریته، ولم یتمسك باسمی الستار والغفار طالبا الغفاریة والستاریة، فقد تهتك أستاره في محضر الملائكة المقربین والأنبیاء المرسلین (ع) عند ما یرتفع ستار عالم الملك ویزول حجاب الدنیا، واللّه العالم بمدی ما سیلحقه آنئذ من العار والفضیحة وما سیظهر من فتن عند انكشاف العورات الباطنیة.

إیها یا عزیزي! فلا تقارن أحوال عالم الآخرة بأحوال هذا العالم، فهذا العالم علی سعته یضیق عن استیعاب نعمة من النعم التي قد تعطی هناك، ولا یصمد أمام نقمة من النقم النازلة فيه، بل إن هذا العالم بكل سعة سماواته وعوالمه، لا یتسع لظهور ستر واحد من أستار الملكوت السفلی – الذي یمثل عالم القبر جانبا منه – ناهیك عن الملكوت الأعلی الذي یمثّل عالم القیامة إنموذجا له.

ولیتضح ما نرمي إلیه تأمل عزیزي في الحدیث الذي نقله الشیخ الشهید الثاني (ره) في كتابه منیة المرید، عن الصدیقة الكبری (س) والذي قالت فيه: سمعت أبي (ص) یقول: إن علماء شیعتنا یحشرون، فيُخلع علیهم من خلع الكرامات علی قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد اللّه، حتی یخلع علی الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور… إلی أن قالت:… إن سلكا من تلك الخلع لأفضل مما طلعت علیه الشمس ألف ألف مرة[11]، هذا فيما یرتبط بالنعیم…

أما فيما یرتبط بالنقمة والعذاب، فلكي نتصور جانبا من ذلك، دعنا نتأمل في الحدیث الذي ینقله الفيض الكاشاني (ره) عن المرحوم الصدوق مسندا إلی الإمام الصادق (ع) والذي ینقل فيه أن جبرائیل قال لرسول اللّه (ص): … فلو أن حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت علی أهل الدنیا لذابت الدنیا من حرّها، ولو أن قطرة من الزقوم والضریع قطرت في شراب أهل الدنیا، مات أهل الدنیا من نتنها…[12] نستجیر باللّه من غضب اللّه.

فلا مناص إذن من مبادرة السالك إلی اللّه لتبدیل الخبیث من الصفات والسیّئ من الخصال بالحمید الكامل منها، والمسارعة إلی الفناء في البحر المتلاطم اللامتناهي من الأوصاف الكمالیّة للحق تعالی، وتبدیل الأرض الشیطانیة المظلمة بالأرض البیضاء المشرقة، لیلمس في أرجاء نفسه كیف وأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهٰا[13] ویقیم في أركان مملكة وجوده مقام اسماء الجمال والجلال للذات المقدسة، فينضوي عندها تحت ستر الجمال والجلال ویتحقق عنده التخلّق بأخلاق اللّه، وتسدل الأستار علی قبائح التعینات النفسیّة وظلمات الوهم بصورة كاملة.

وإذا تحقق السالك بهذا المقام شملته الألطاف الإلهیة الخاصة للحق جلّ جلاله، فيعینه بلطفه الخفي، ویستره بستر كبریائه، وبشكل یصبح معه السالك غیر معروف لسواه تعالی، ولا یعرف سواه تعالی: إن أولیائي تحت قبابي لا یعرفهم غیري[14].

والإشارات – التي یدركها أهلها – كثیرة في الكتاب الإلهي المقدس، كما في قوله تعالی: اَللّٰهُ وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُوا یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إلی النُّورِ[15]، فأهل المعرفة وأصحاب السابقة الحسنی یعلمون بأن جمیع التعینات الخلقیة والكثرات العینیة، إنما هي ظلمات، وإن النور المطلق لا یتحقق إلاّ بإزالة الإضافات وتحطیم التعینات التي تمثّل الأوثان في طریق السالك، فإذا زالت ظلمات الكثرات الأفعالیة والأوصافية وتلاشت في عین الجمع، تكون العورات عندئذ، قد سترت، وتحقق الحضور المطلق والوصول التام.

ولما كان المصلّي في هذا المقام مستورا بالحقّ، فإنّه سیكون مصلّیا بصلاة الحق، ولعلّ صلاة المعراج لخاتم الرسل (ص)، كانت علی هذا النحو في بعض المقامات والمعارج، واللّه العالم.

وصل فيما يترتب من طهارة لباس المصلي الباطني

في مصباح الشریعة، قال الصادق (ع): أزین اللباس للمؤمنین لباس التقوی، وأنعمه الإیمان، قال اللّه عزّ وجلّ: ولِبٰاسُ التَّقْویٰ ذٰلِك خَیْرٌ[16]، وأمّا اللباس الظاهر، فنعمة من اللّه یستر عورات بنی آدم، وهي كرامة أكرم اللّه بها عباده – ذرّیة آدم (ع) – لم یكرم غیرهم، وهي للمؤمنین آلة الأداء ما افترض اللّه علیهم.

وخیر لباسك ما لا یشغلك عن اللّه عزّ وجلّ بل یقربك من شكره وذكره وطاعته، ولا یحملك فيها إلی العجب والریاء والتزیّن والمفاخرة والخیلاء، فإنّها من آفات الدین، ومورثة لقسوة القلب، فإذا لبست ثوبك، فاذكر ستر اللّه -تعالی- علیك ذنوبك برحمته، وألبس باطنك بالصدق، كما ألبست ظاهرك بثوبك.

ولیكن باطنك في ستر الرهبة، وظاهرك في ستر الطاعة واعتبر بفضل اللّه -عزّ وجلّ- حیث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء.

ولا تفضح أحدا حیث ستر اللّه علیك أعظم منه، واشتغل بعیب نفسك، واصفح عمّا لا یعنیك حاله وأمره واحذر أن تفنی عمرك لعمل غیرك، ویتجر برأس مالك غیرك وتهلك نفسك، فإن نسیان الذنوب من أعظم عقوبة اللّه-تعالی- في العاجل، وأوفر أسباب العقوبة في الآجل.

وما دام العبد مشتغلا بطاعة اللّه تعالی، ومعرفة عیوب نفسه وترك ما یشین في دین اللّه، فهو بمعزل عن الآفات خائض في بحر رحمة اللّه -عزّ وجلّ- یفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبیان، وما دام ناسیا لذنوبه جاهلا لعیوبه، راجعا إلی حوله وقوّته، لا یفلح إذا أبدا[17].

وإن كانت مقاصد الحدیث تتضح – إلی حدّ بعید – بالمطالعة والتأمل، إلاّ أن الإشارة إلی بعض كوامنه بما یشبه الترجمة، لا یخلو من فائدة في تحقیق صفاء القلب[18].

النتيجة

فاعلم أن للمصلّي لباسين، لباس ظاهريّ ولباس باطنيّ، فطهارة جميع هذه الألبسة لازم لمن يريد أن تكون صلاته صلاة إلهيّة، ويتخلّق بأخلاق الله سبحانه، ويخرجه من الظلمات إلى النور، بل وتشرقه الأرض بنور ربّه.

الهوامش

[1] مریم، 39.

[2] راجع الشیرازي، مفاتیح الغیب، ص50.

[3]  مقولة تنسب الی الحكماء الإلهیین، راجع المیرزا أبي الحسن الشعراني، مقدمة أسرار الحكم، ص32.

[4] النحل، 52.

[5] یس، 83.

[6] الزخرف، 84.

[7] مضمون بیت بالفارسیة للشاعر جلال الدین المولوي الرومي.

[8] الكليني، الكافي، كتاب الإیمان والكفر، باب أخوة المؤمنین بعضهم بعضا، ج3، ص 242، ح4.

[9] فاطر، 15.

[10] الإمام الصادق (ع)، مصباح الشریعة، باب 95 في المعرفة.

[11] العاملي، منیة المرید، ص24.

[12] الكاشاني، علم الیقین في أصول الدين، ج2، ص1033.

[13] الزمر، 69.

[14] احیاء علوم الدین، ج4، ص357.

[15] البقرة، 257.

[16] الأعراف، 26.

[17] الإمام الصادق (ع)، مصباح الشریعة باب 7 في اللباس.

[18] یورد المؤلف (ره) هنا ترجمة للحدیث باللغة الفارسیة وبضمنها بعض الإشارات التوضیحیة، نثبتها هنا اتماما للفائدة: … فاجتنب عند اختیار مادة اللباس وطرازه ما یسبب لك الغفلة عن الحق والبعد عن ساحته المقدسة واعلم أن في الألبسة، بل وسائر الأمور الحیاتیة العادیة، نكاتا تفضی إلی الغفلة عن الحق والإنشغال بالدنیا، وتترك آثارا سیئة في القلب تؤدي إلی الابتلاء بالعجب والریاء والتزیّن والمفاخرة، وهي من آفات الدین المؤدیة إلی تشوّه القلب … واشتغل بعیب نفسك لكي تنفتح أمامك أبواب الإصلاح … واحذر أن تفني عمرك في عمل غیرك، فتسجل نتائج أعمالك في سجل الآخرین … فنسیان الإنسان ذنوبه یعدّ من أشدّ العقوبات التي ینزلها الحق تعالی به في الدنیا لأنها تنسیه إصلاح نفسه.

مصادر البحث

  1. القرآن الكريم.
  2. الإمام الصادق (ع)، مصباح الشریعة ومفتاح الحقيقة، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1400 ه‍.
  3. الشعراني، أبو الحسن، أسرار الحكم، طهران، مؤسسه اسلاميه، طبعة 1388 ش.
  4. الشیرازي، صدر الدين محمد، مفاتیح الغیب، طهران، مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية، طبعة 1363 ش.
  5. الطوسي، محمد، بيروت، احیاء علوم الدین، دار المعرفة.
  6. العاملي، زين الدين، منیة المرید، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، طبعة 1409 ه‍.
  7. فيض الكاشاني، محمّد، علم الیقین في أصول الدين، قم، مؤسسة بيدار، طبعة 1418 ه‍.
  8. الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الخميني، روح الله، آداب الصلاة، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (قده)، الشؤون الدولية، الطبعة السادسة، 2003 م.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *