مفسرو العامةّ والخاصّة ورموز الحروف المقطّعة

مفسرو العامّة والخاصّة ورموز الحروف المقطّعة

کپی کردن لینک

الحروف المقطّعة من الظواهر الفريدة في القرآن الكريم، حيث تذكر في بداية العديد من السور، مما يثير تساؤلات الباحثين حول دلالاتها وغموضها. ويشير الكثير من العلماء إلى أن الحروف المقطّعة تحمل معانٍ عميقة، وتبرز أهميتها في جذب الإنتباه والبلاغة القرآنية. كما جاءت بشكل متكرر لتأكيد فرادتها، حيث نجد أن الحروف المقطّعة تظهر في مواقع متعددة من القرآن، مما يجعل دراستها مهمة لفهم النص القرآني.

ومن الجدير بالذكر أن تكرار عبارة الحروف المقطّعة يعكس أهمية هذا الموضوع ويبرز أنه من أسرار الحروف المقطّعة التي تتطلب استقراءً وتأملًا دقيقًا للكشف عن أسرارها. إذ أن الاهتمام بـها لا يقتصر على تكرارها فقط، بل يشمل البحث عن معانيها ودلالاتها، وصدق من قال أن فهم الحروف المقطّعة هو جزء من فهم القرآن الكريم بشكل أعمق، حيث يلعب تكرار ها دورًا في إبراز مدى عظمة القرآن وأهميته، ويضاف إلى ذلك أن دراسة الحروف المقطّعة تظل موضوعًا مفعمًا بالأسرار والتحديات، مما يجعل من تكرار عبارة الحروف المقطّعة في الدراسات المعنية ضروريًا لتسليط الضوء على مدى أهميتها في النقد والتحليل النصي.

السور التي بدأت بالحروف المقطّعة في القرآن الكريم

بدأت تسع وعشرون سورة بالحروف المقطّعة وهي: {الم}: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة.
{المص}: الأعراف. {الر}: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر. {المر}: الرعد. {كهيعص}: مريم. {طه}: طه.
{طسم}: الشعراء، القصص. {طس}: النمل. {يس}: يس.  {ص}: ص. {حم}: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.  {حم، عسق}: الشورى. {ق}: ق. {ن}: القلم.

السور التي افتتحت بحرف واحد وهي ثلاث سور: سورة ق، وسورة القلم، وسورة ص. السور التي افتتحت بحرفين وهي تسع سور: طه، النمل، يس، غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف. السور التي افتتحت بثلاثة حروف وهي ثلاثة عشر سورة: البقرة، آل عمران، يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، الشعراء، القصص، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة. السور التي افتتحت بأربعة حروف، وهي سورتان: الأعراف، والرعد. السور التي افتتحت بخمسة حروف، وهي سورتان: مريم، والشورى.

عدد الحروف المقطّعة بدون التكرار هي أربعة عشر حرفا: (ا ح رس ص ط ع ق ك ل م ن ه ي) وتكرر هذه الحروف في 29 سورة قرآنية. مجموع تكرار هذه الحروف في القرآن هو 78 مرة.

مفسرو العامّة والحروف المقطّعة

“قد اختلف المفسرون في الحروف المقطّعة: فكان بعضهم يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها. وكان بعضهم يجعلها أقساما. وكان بعضهم يجعلها حروفا مأخوذة من صفات اللّه تعالى، يجتمع بها في المفتتح الواحد صفات كثيرة، كقول ابن عباس: في‏ كهيعص، مريم: 1: إنّ (الكاف) من كاف، و(الهاء) من هاد، و(الياء) من حكيم، و(العين) من عليم، و(الصاد) من صادق. وقال الكلبيّ‏ هو: كتاب كاف، هاد، حكيم، عالم، صادق. ولكل مذهب من هذه المذاهب وجه حسن، ونرجو ألا يكون ما أريد بالحروف خارجا منها”. [1]

“روي عن الشعبي أنه قال: إن للّه تعالى سرا جعله في كتبه، وإن سره في القرآن هو الحروف المقطّعة. وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود – رضي اللّه عنهم- أنهم قالوا: الحروف المقطّعة من المكتوم الذي لا يفسر؛ وعن علي رضي اللّه عنه: هو اسم من أسماء اللّه تعالى، فرقت حروفه في السور. يعني أن هاهنا قد ذكر الم‏* وذكر: الر* في موضع آخر وذكر: حم* في موضع آخر وذكر: ن‏* في موضع، فإذا جمعت يكون (الرحمن)، وكذلك سائر الحروف إذا جمع يصير أسما من أسماء اللّه”.[2]

“هذه الحروف‏ المقطّعة فى أوائل السورة من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا اللّه- عند قوم، ويقولون لكل كتاب سر، وسر الله فى القرآن هذه الحروف‏ المقطّعة. وعند قوم إنها مفاتح أسمائه، فالألف من اسم «اللّه»، واللام يدل على اسمه «اللطيف»، والميم يدل على اسمه «المجيد» و«الملك».

وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه. وقيل إنها أسماء السور. وقيل الألف تدل على اسم «الله» واللام تدل على اسم «جبريل» والميم تدل على اسم «محمد» (ص)، فهذا الكتاب نزل من اللّه على لسان جبريل إلى محمد (ص). والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف فى الخط و سائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه، واستغنائه عن الجميع‏”.[3]

“قد اختلف المفسرون في الحروف‏ المقطّعة التي في أوائل السور فمنهم من قال: هي مما استأثر اللّه بعلمه، فردّوا علمها إلى اللّه ولم يفسروها، حكاه القرطبي‏ في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي اللّه عنهم أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان. ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال: الم اسم من أسماء القرآن. وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السورة فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن.[4]

الم‏: قيل: فيه وجوه: روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: قوله: الم‏ أنا الله أعلم‏. وقيل: إنه قسم أقسم بها. و قيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة. وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف المقطّعة كناية اسم من أسماء الله: الألف الله، واللام لطفه، والميم ملكه‏. وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجده‏. وقيل: إن الألف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد. وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه. وقيل: إن تفسير هذه الحروف‏ المقطّعة ما ألحق ذكرها بها على أثرها نحو قوله: الم * ذلِكَ الْكِتابُ‏‏ هو تفسير الم‏…

وقيل‏: إنه من المتشابه الذى لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاء من المحن. وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ‏ فصلت: 26، وكقوله: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً: الأنفال: 35، فأنزل الله عزّ وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة. والأصل فى الحروف المقطّعة: أنه يجوز أن تكون على القسم بها على ما ذكرنا”. “الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِين‏: وقوله: آياتُ الْكِتابِ‏ هذا- أيضا- يشبه أن يخرج على وجهين: أحدهما: إشارة إلى الحروف‏ المقطّعة المعجمة فقال: تلك الحروف‏ المقطّعة إذا جمعت كانت آيات الكتاب. أو أن يكون الله أراد أمرا لا نعلم ما أراد، فيقول: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ‏، أي: ذلك الذي أراد هو آيات الكتاب‏”.[5]

“قال عبد العزيز بن يحيى: معنى هذه الحروف المقطّعة أنّ اللّه ذكرها، فقال: اسمعوها مقطعة، حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وكذلك تعلم الصبيان أولا مقطعة، وكان اللّه أسمعهم مقطعة مفردة، ليعرفوها إذا وردت عليهم، ثم أسمعهم مؤلّفة. وقال أبو روق‏: إنّها تكتب للكفار، وذلك أنّ رسول اللّه (ص) كان يجهر بالقراءة في الصلوات كلّها، وكان المشركون يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏.

فربما صفّقوا وربما صفّروا وربما لفظوا ليغلّطوا النبي (ص) فلمّا رأى رسول اللّه ذلك أسرّ في الظهر والعصر وجهر في سائرها، وكانوا يضايقونه ويؤذونه، فأنزل اللّه تعالى هذه الحروف‏ المقطّعة، فلمّا سمعوها بقوا متحيرين متفكّرين، فاشتغلوا بذلك عن إيذائه وتغليطه، فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم. وقال الأخفش: إنّما أقسم اللّه بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنّها مباني كتبه المنزلة بالألسن المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم بما يتعارفون ويذكرون اللّه ويوحّدونه، وكأنّه أقسم بهذه الحروف المقطّعة إنّ القرآن كتابه وكلامه‏ لا رَيْبَ فِيهِ”‏.[6]

مفسرو الخاصّة والحروف المقطّعة

“اختلف العلماء في معنى أوائل هذه السور مثل‏ «الم» و«المص» و«كهيعص» و«طه» و«لَبِالْمِرْصادِ» و«بِالْأَحْقافِ» و«حم» وغير ذلك على وجوه فقال بعضهم انها اسم من أسماء القرآن ذهب اليه قتادة ومجاهد وابن جريح وقال بعضهم هي فواتح يفتح بها القرآن، روي ذلك عن مجاهد أيضاً واختاره البلخي وفائدتها أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها وذلك معروف في كلام العرب وأنشد بعضهم‏…

وقال بعضهم هي اسم للسورة روي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن وقال بعضهم هي اسم اللَّه الأعظم و روي ذلك عن السدي إسماعيل وعن الشعبي وقال بعضهم هي قسم اقسم اللَّه به وهي من أسمائه وروي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وقال قوم هي حروف مقطعة من اسماء واقعاً كل حرف من ذلك بمعنى غير معنى الحرف الآخر يعرفه النبي (ص) نحو قول الشاعر”.[7]

“قوله تعالى: «حم عسق‏» من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل عدة من السور القرآنية، وذلك من مختصات القرآن الكريم لا يوجد في غيره من الكتب السماوية. وقد اختلف المفسرون من القدماء والمتأخرين في تفسيرها وقد نقل عنهم الطبرسي في مجمع البيان أحد عشر قولا في معناها:

أحدها: أنها من المتشابهات التي استأثر الله سبحانه بعلمها لا يعلم تأويلها إلا هو.

الثاني: أن كلا منها اسم للسورة التي وقعت في مفتتحها.

الثالث: أنها أسماء القرآن أي لمجموعه.

الرابع: أن المراد بها الدلالة على أسماء الله تعالى فقوله: «الم‏» معناه أنا الله أعلم، وقوله: «المر» معناه أنا الله أعلم و أرى، وقوله: «المص‏» معناه أنا الله أعلم و أفصل، وقوله: «كهيعص‏» الكاف من الكافي، والهاء من الهادي، والياء من الحكيم، والعين من العليم، والصاد من الصادق، وهو مروي عن ابن عباس، والحروف المأخوذة من الأسماء مختلفة في أخذها فمنها ما هو مأخوذ من أول الاسم كالكاف من الكافي، ومنها ما هو مأخوذ من وسطه كالياء من الحكيم، ومنها ما هو مأخوذ من آخر الكلمة كالميم من أعلم.

الخامس: أنها أسماء لله تعالى مقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم تقول: الر وحم و ن يكون الرحمن و كذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على تأليفها وهو مروي عن سعيد بن جبير.

السادس: أنها أقسام أقسم الله بها فكأنه هو أقسم بهذه الحروف على أن القرآن كلامه‏ وهي شريفة لكونها مباني كتبه المنزلة، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول لغات الأمم على اختلافها.

السابع: أنها إشارات إلى آلائه تعالى و بلائه ومدة الأقوام وأعمارهم وآجالهم.

الثامن: أن المراد بها الإشارة إلى بقاء هذه الأمة على ما يدل عليه حساب الجمل.

التاسع: أن المراد بها حروف المعجم وقد استغنى بذكر ما ذكر منها عن ذكر الباقي كما يقال: أب ويراد به جميع الحروف.

العاشر: أنها تسكيت للكفار لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا يستمعوا للقرآن وأن يلغوا فيه كما حكاه القرآن عنهم بقوله: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ‏» الآية، فربما صفروا وربما صفقوا وربما غلطوا فيه ليغلطوا النبي (ص) في تلاوته، فأنزل الله تعالى هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها استغربوها واستمعوا إليها وتفكروا فيها واشتغلوا بها عن شأنهم فوقع القرآن في مسامعهم.

الحادي عشر: أنها من قبيل تعداد حروف التهجي والمراد بها أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في خطبكم وكلامكم فإذا لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من عند الله تعالى، وإنما كررت الحروف المقطّعة في مواضع استظهارا في الحجة، وهو مروي عن قطرب واختاره أبو مسلم الأصبهاني و إليه يميل جمع من المتأخرين.

فهذه أحد عشر قولا وفيما نقل عنهم ما يمكن أن يجعل قولا آخر كما نقل عن ابن عباس في «الم‏» أن الألف إشارة إلى الله واللام إلى جبريل والميم إلى محمد (ص)، وما عن بعضهم أن الحروف المقطّعة في أوائل السور المفتتحة بها إشارة إلى الغرض المبين فيها كان يقال: إن «ن» إشارة إلى ما تشتمل عليه السورة من النصر الموعود للنبي (ص)، و«ق» إشارة إلى القرآن أو القهر الإلهي المذكور في السورة، وما عن بعضهم أن هذه الحروف للإيقاظ.

والحق أن شيئا من هذه الأقوال لا تطمئن إليه النفس: أما القول الأول فقد تقدم في بحث المحكم والمتشابه في أوائل الجزء الثالث من الكتاب‏ أنه أحد الأقوال في معنى المتشابه وعرفت أن الإحكام والتشابه من صفات الآيات التي لها دلالة لفظية على مداليلها، وأن التأويل ليس من قبيل المداليل اللفظية بل التأويلات حقائق واقعية تنبعث من مضامين البيانات القرآنية أعم من محكماتها ومتشابهاتها، وعلى هذا فلا هذه الحروف المقطّعة متشابهات ولا معانيها المراد بها تأويلات لها. وأما الأقوال العشرة الآخر فإنما هي تصويرات لا تتعدى حد الاحتمال ولا دليل يدل على شي‏ء منها.

نعم في بعض الروايات المنسوبة إلى النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) بعض التأييد للقول الرابع والسابع والثامن والعاشر وسيأتي نقلها والكلام في مفادها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

والذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن هذه الحروف تكررت في سور شتى وهي تسع وعشرون سورة افتتح بعضها بحرف واحد و هي ص وق ون، وبعضها بحرفين وهي سور طه وطس ويس وحم. وبعضها بثلاثة أحرف كما في سورتي «الم‏» و«الر» و«طسم‏» وبعضها بأربعة أحرف كما في سورتي «المص‏» و«المر» وبعضها بخمسة أحرف كما في سورتي «كهيعص‏» و«حم عسق‏». وتختلف هذه الحروف أيضا من حيث أن بعضها لم يقع إلا في موضع واحد مثل «ن‏» وبعضها واقعة في مفتتح عدة من السور مثل «الم‏» و«الر» و«طس‏» و«حم‏».

ثم إنك إن تدبرت بعض التدبر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور. ويؤكد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح الحواميم من قوله: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ‏» أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراءات من قوله: «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ‏» أو ما هو في معناه، ونظير ذلك واقع في مفتتح الطواسين، وما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه.

ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذا الحروف المقطّعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطا خاصا، ويؤيد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة بالمص في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات و ص، وكذا سورة الرعد المصدرة بالمر في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات والراءات. ويستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله (ص) خفية عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا. ولعل المتدبر لو تدبر في مشتركات هذه الحروف وقايس مضامين السور التي وقعت فيها بعضها إلى بعض تبين له الأمر أزيد من ذلك. ولعل هذا معنى‏ ما روته أهل السنة عن علي (ع)- على ما في المجمع: – أن لكل كتاب صفوة- وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي”.[8]

قال المفسّرون في معناها آراء عدة نذكر منها:

“الرأي الأول: إنّها من الرموز والأسرار التي تعبّر عن تاريخ معيّن تنتهي فيه الدنيا، أو تتمثّل فيه بعض الحوادث، وذلك على أساس حساب الحروف الأبجدية الذي يجعل لكل حرف منها رقما معينا يعبّر عن عدد معيّن. ونحن لا نوافق على هذا الرأي، لأنّ القرآن لم يتنزّل ليتّجه مثل هذا الاتجاه المتكلّف في التعبير عن الحوادث والأشياء، و بالتالي ليربط الناس بأسرار وألغاز ومعميات يختلف الناس في فهمها؛ لأن ذلك لا يحقّق أيّ هدف للمعرفة وللهدى الذي اتبعه القرآن ليشقّ طريقه في الحياة.

الرأي الثاني: إنّها لإثارة انتباه الناس إلى الآيات التي يريد النبي (ص) أن يقرأها عليهم؛ فقد كان المشركون- في ذلك الوقت- يعملون على إثارة الضوضاء واللّغو عند قراءة النبي (ص) للقرآن، ليمنعوا الآخرين من الاستماع إليه، فجاءت هذه المفردات غير المألوفة لديهم لتؤدّي دورها في إثارة الانتباه من خلال غرابتها على أسماعهم، لأنّها ليست من النوع الذي تعارفوا عليه، فليس لها مدلول معيّن ومضمون واضح. ومن هنا، يبدأ التساؤل الداخلي الذي يهيّئ النفس لانتظار ما بعدها لتستوضح معناها من خلال ذلك. وتتحقّق الغاية من ذلك في سماعهم لآيات اللَّه.

الرأي الثالث: ما ذهب إليه العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان حيث قال: إنّ بين هذه الحروف المقطّعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطا خاصا، ويؤيد ذلك ما نجد أنّ سورة الأعراف المصدرة ب المص‏ في مضمونها، كأنها جامعة بين مضامين الميمات و ص. وكذا سورة الرعد المصدّرة ب المر في مضمونها، كأنها جامعة بين مضامين الميمات والراءات. ويستفاد من ذلك أنّ هذه الحروف رموز بين اللَّه سبحانه ورسوله (ص) خفيت عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها، إلّا بمقدار أن نستشعر أنّ بينها وبين المضامين المودعة في السورة ارتباطا خاصا.

الرأي الرابع: إن الله سبحانه وتعالى تحدى الناس بالقرآن، وبالغ في التحدي بطرق متنوّعة، فأراد أن يبيّن لهم أن هذا القرآن الذي أعجزهم الإتيان بسورة من مثله، لم يكن مؤلفا من حروف يجهلونها، لأن المادة الخام التي صنع منها القرآن موجودة بين أيديهم، وهي هذه الحروف المتنوعة المعلومة لديهم: فإذا كانت عندهم القدرة على صنع مثل هذا القرآن، فهذه هي المواد الخام جاهزة عندهم، ولعلّ هذا من أبلغ أنواع التحدّي، تماما كما تواجه إنسانا واقفا أمام مبني ذي شكل هندسي متقن، فتقول له: هل تستطيع أن تبني مثل هذا؟ ثم تعقب على ذلك بأن المواد جاهزة إذا كنت تملك الفكر الهندسي والممارسة الفنية. إنه سيقف عاجزا من موقع عظمة هذه الهندسة وجهله بأصولها الفنية.[9]

النتيجة

الحروف المقطّعة من الظواهر الفريدة في القرآن الكريم، حيث تكررت بشكل لا يخلُ من الأسرار والمعاني العميقة. تعتبر الحروف المقطّعة مفتاحًا لفهم بعض أسرار النص القرآني، وتظهر في بداية عدة سور، مما يعكس أهميتها. ومن خلال دراستها نتعرف على مدى تحديها وأسرارها لمفسري الفريقين وعمق معانيها. يُلاحظ أن الحروف المقطّعة تكررت في القرآن لتعزيز حضورها، ولتذكير المسلمين بمعجزية القرآن. ويُعتقد أن فهمها يتطلب تدبرًا وتأملًا، فهي جزء من إعجاز القرآن. لذلك، تبقى الحروف المقطّعة موضوعًا مهمًا، حيث تكررت بشكل متعمد عبر النص القرآني، لتؤكد على عظمة البلاغة الإلهية. وفي النهاية، فإن دراسة الحروف المقطّعة تظل من أهم سبل فهم أسرار القرآن، وتكرارها يعكس أبدية أهميتها في النص  القرآني الشريف.

ومن الجدير بالذكر أن بعض المفسرين اعتبر الحروف المقطّعة إسما من أسماء السور، والبعض اعتبرها أسماء وصفات لله تعالى، بينما البعض اعتبرها آيات متشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا اللّه تعالى. والآخر اعتبر ها سرّا من أسرار القرآن الكريم. والبعض قال: إن الحروف المقطّعة تسكيت للكفار لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا يستمعوا للقرآن وأن يلغوا فيه.

الهوامش

[1] – ابن‏ قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ج1، ص182.

[2] – السمرقندى، بحر العلوم، ج1، ص21.

[3] – القشيرى، لطائف الاشارات، ج‏1، ص29 و ج‏1، ص53-54.

[4] – ابن‏ كثير، تفسير القرآن العظيم، ج‏1، ص67.

[5] – الماتريدى، تأويلات أهل السنة، ج‏1، ص370-371 و ج‏6، ص204.

[6] – الثعلبى، الكشف والبيان، ج‏1، ص136-137.

[7] – الطوسى، التبيان في تفسير القرآن،ج‏1، ص47.

[8] – الطباطبايى، الميزان في تفسير القرآن،ج‏18، ص6-9.

[9] – فضل الله، من وحى القرآن، ج1، ص100- 103.

المراجع

  1. القرآن الکریم
  2. ابن‏ قتيبة، عبدالله بن مسلم، تأويل مشكل القرآن، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – لبنان – بيروت، 1423 ه.ق.
  3. ابن ‏كثير، اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – لبنان – بيروت، 1419 ه.ق.
  4. الثعلبى، احمد بن محمد، الكشف و البيان المعروف تفسير الثعلبي، دار إحياء التراث العربي – لبنان – بيروت، 1422 ه.ق.
  5. السمرقندى، نصر بن محمد، تفسير السمرقندى المسمى بحر العلوم، دار الفكر – لبنان – بيروت،  1416 ه.ق.
  6. الطباطبايى، محمدحسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – لبنان – بيروت، الطبعة: 2، 1390 ه.ق.
  7. الطوسى، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي – لبنان – بيروت.
  8. فضل الله، محمد حسين، من وحى القرآن، دار الملاك – لبنان – بيروت، 1419 ه.ق.
  9. القشيرى، عبدالكريم بن هوازن، لطائف الاشارات : تفسير صوفى كامل للقرآن الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر – قاهره، الطبعة: 3، 2000 م.
  10. الماتريدى، محمد بن محمد، تأويلات أهل السنة (تفسير الماتريدى)، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – لبنان – بيروت، 1426 ه.ق.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *