من الآثار الإيجابية الناتجة عن الالتزام بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي تعزيز الإيمان وتماسك المجتمع. ومن النتائج السلبية التي تترتب على التخلي عنها، هي العقاب الإلهي واللعنة، والهلاك الاجتماعي، والانقلاب في القيم، وسيطرة الأشرار على مقاليد الأمور. هذا ما سنبحث عنه في مبحثين:
المبحث الأول: آثار أداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن أهم الآثار التي يحققها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي هداية الانسان فردا كان أم مجتمعا هداية تجعله يحكم مفاهيم الاسلام وقيمه في عقله وقلبه وارادته، لتكون الأفكار والعواطف والممارسات العملية مطابقة للمنهج الإلهي في الحياة، عن طريق إقامة فرائض الدين القويم وشريعته السمحاء.
ومن خلال الالتزام بأداء المسؤولية يتعمق الايمان بالله تعالى في العقول والقلوب، وتتوثق الصلة مع الله تعالى والتي تضفي السكينة والطمأنينة على جميع جوارح الانسان ومقومات شخصيته في الفكر والعاطفة والسلوك، فيتحرر من الالحاد واللا انتماء، ومن الضياع والتخبط، ومن الضلال والعمى والحيرة، ويتخلص من الأوهام والخرافات، ويتوجه إلى الله تعالى مستمدا منه العون والاسناد، فيستشعر الأمان والصفاء وهو عميق الصلة بمنعم الوجود، وبالركن الركين الذي تتهاوى جميع مظاهر الاسناد أمامه، وتستقيم نفسه ومشاعره.
ويكون الحفاظ على نظام الحياة على أحسن صورة عن طريق جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصبح المجتمع في قمة السعادة وهو يسعى إلى الاعمار والبناء الحضاري، ويعم الخير والصلاح جميع مرافق الحياة، لسمو المقاصد ونبل الأهداف المراد تقريرها وتحقيقها في الواقع.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ان قام به المجتمع فإنه يحقق الامن والسلام والطمأنينة، فيقضى بواسطة أدائه على جميع ألوان العدوان والاضطهاد والاستغلال، ويتحقق العدل، وتحفظ كرامة الانسان وحريته، ويتم الحفاظ على سلامة الأرواح والاعراض والأموال، ويقضى من خلال أدائه على جميع ألوان الاعتداء فيعيش الناس آمنين مطمئنين.
فمن آثار أداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعميق الأواصر الاسلامية ، وتوحيد الصف الاسلامي في ضوء وحدة العقيدة ووحدة السلوك ووحدة المصالح ووحدة المصير، ويعيش المجتمع حياة الإخاء والتعاون والتآزر والتكاتف والتناصر.
ومن آثار أداء المسؤولية القضاء على جميع ألوان الانحراف والفساد، وإشاعة الأخلاق الحسنة في العلاقات الاجتماعية لتقوم على قواعد وأسس الشريعة، حيث الصدق والوفاء، والتراحم والتناصح، وأداء الأمانة، والرفق والاحسان، والانطلاق لاسعاد المجتمع.
ومن آثاره السياسية الشعور بالمسؤولية من قبل الجميع، وايصال عدول الفقهاء إلى موقعهم الريادي، وتطبيق حكم الله في الأرض طبقا لقواعد الشريعة، وزوال الفوارق بين الحكام والمحكومين، والتآزر من أجل الأهداف الواحدة، ومنع المنحرفين من الوصول إلى المراكز الحساسة في السلطة السياسية.
ومن آثاره الاقتصادية إقامة التوازن الاقتصادي، الذي يتحقق عن طريق التكافل والحث على الانفاق الطوعي في وجوه الخير، والدعوة إلى القناعة والكفاف وعدم التبذير، والنهي عن الغش واكل الأموال بالباطل، وأداء الواجبات المالية كالزكاة والخمس، إضافة إلى قيام الدولة بواجباتها في إقامة التوازن، فتتحقق الرفاهية للمجتمع باشباع حاجات الفقراء والمستضعفين.
وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يزداد الوعي في صفوف المجتمع، وتتفتح آفاق العقول لتنطلق نحو الابداع الخلاق، وتتقدم العلوم، لتكون خادمة للمفاهيم والقيم الاسلامية.
ومن آثاره لطف الله تعالى بعباده ورحمته لهم، ورضوانه عليهم، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض…)[1].
وقال تعالى: (ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا)[2].
وقد وردت آيات عديدة في فلاح الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وفي رحمة الله لهم.
ومن آثاره القضاء على جميع الأمراض والاسقام التي تنتج من الانحراف السلوكي، كما نشاهد عند غير الملتزمين بالاسلام، كالأمراض النفسية، والأمراض الجسدية المتعلقة بالانحراف الجنسي، والادمان، والانتحار، والتشتت الأسري وغير ذلك كثير.
المبحث الثاني: آثار التخلي عن أداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن إرادة الله تعالى قد جعلت للحياة سننا ثابتة ونواميس راسخة لا تختلف ولا تتخلف في جميع مراحل الحياة الانسانية، وان موافقة هذه السنن والنواميس والسير في ضوئها تثمر ثمارها وتنتج نتائجها الايجابية في حركة المجتمع، كما أن مخالفتها وعدم السير في دائرة ضوئها تنتج العكس والسلبية، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج.
ومن هذه السنن: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)[3].
وقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)[4].
ويرتب الله تعالى في ضوء هذه السنن والنواميس آثارا ونتائج سلبية إن ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخلوا عن أداء المسؤولية، ومن هذه الآثار والنتائج:
أولا: العقاب الإلهي
حين يتخلى الناس عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سيزداد الانحراف لفقدان الموجه والمرشد والرادع، فيفقد كل شئ استقامته، وتفقد الموازين سلامتها، ولا يكون إلا العوج الذي لا يستقيم، وكل ذلك مدعاة إلى سلب الرحمة منهم، وانزال العقاب بالجميع، المنحرفين والمتقاعسين عن الدعوة والاصلاح معا، والعقاب يمثل الوخزة الموقظة التي تعيد الناس إلى الاستقامة.
قال رسول الله (ص): والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم[5].
ويكون العذاب شاملا لا يختص بالمرتكبين للمنكر فقط، بل يعم غيرهم ممن لم يرتكبه، لأنهم سكتوا عن تغييره.
قال رسول الله (ص): إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة[6].
والعقاب الإلهي له مظاهر وألوان مختلفة، فقد يكون بنزع البركات، أو بالآفات السماوية، أو إذاقة البعض بأس البعض الآخر.
قال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض…)[7].
ثانيا: اللعنة الإلهية
من آثار ونتائج التخلي عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شمول الناس اللعنة الإلهية، قال أمير المؤمنين (ع): وإن عندكم الأمثال من بأس الله وقوارعه، وأيامه ووقائعه، فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه، وتهاونا ببطشه، ويأسا من بأسه، فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي والحلماء لترك التناهي…[8].
واللعنة إن نزلت على المجتمع جعلته يعيش بعيدا عن اللطف والرأفة والرحمة، فلا يؤيدهم الله تعالى، ولا يثبتهم، ولا يؤنسهم، ويدعهم لوحدهم دون اسناد، ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم، حيث القلق والاضطراب والأزمات النفسية، بسبب الانحراف والظلم والاعتداء وفقدان الطمأنينة.
ثالثا: الهلاك
إن تطبيق المنهج الاسلامي في الحياة هو احياء للعقل والقلب والإرادة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم…)[9].
والاحياء هو الفاعلية والنمو والامتداد والبناء، والازدهار الحضاري، والتأثر والتأثير في واقع الحياة.
ونقيض الاحياء هو الهلاك المتجسد بالسلبية والخمود وايثار الراحة والبلادة التي تميت عناصر الحيوية في جميع مقومات الانسان العقلية والروحية والسلوكية، وخنق الطاقات والقابليات.
ولذا فإن التخلي عن المسؤولية الهادفة إلى احياء الانسان في فكره وعاطفته وسلوكه ، يؤدي إلى الهلاك بالخمود والجمود ثم الاضمحلال، كما اضمحلت الأمم والحضارات في التاريخ.
رابعا: الانقلاب
إن التخلي عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى الانقلاب والتراجع، حيث تنقلب المفاهيم والقيم، وتنقلب مقومات الشخصية الانسانية وينقلب كل شئ في حياة الفرد والمجتمع، قال أمير المؤمنين (ع): أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفا، ولم ينكر منكرا، قلب فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه[10].
فيبدأ الانقلاب بالفكر ثم العاطفة ثم السلوك، فيعود الانسان والمجتمع إلى حياة الأوهام والخرافات، ويعيش أواصر الضلال والظلمات، ثم تنقلب عاطفته فيوالي من أمره الله تعالى بالتبري منهم، وفي السلوك حيث يعيش الانحراف والانحطاط والرذيلة.
قال رسول الله (ص): كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم ، ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟، فقال: نعم، وشر من ذلك، فكيف بكم إذا آتيتم المنكر ونهيتم عن المعروف؟، فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك، فقال: نعم، وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا[11].
فتنقلب المفاهيم والقيم والموازين، ويكون هذا الانقلاب هو الحاكم على تقييم الاحداث والمواقف والوجودات، وتقوم الحياة على أساسه، فلا يبقى مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة، وتصادم المصالح والمنافع.
خامسا: سيطرة الأشرار على مقاليد الأمور
التخلي عن أداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يؤدي إلى ازدياد عدد المنحرفين والأشرار، وانحسار عدد الصالحين والأخيار، ويؤدي إلى خلق الظروف الملائمة لتمادي المنحرفين والأشرار في انحرافهم وشرهم إثر غياب الرادع لهم، والمتابع عليهم زلاتهم وفسادهم، حيث يأمنون من عدم الاعتراض وعدم الملاحقة، فتنطلق إرادتهم الضعيفة أمام الشهوات، وأنفسهم الشريرة من عقالها، فيعملون ما يحلو لهم.
ثم يكون الامر لهم ليسيطروا على مقاليد الأمور، ويوجهون الناس حسبما يرون ويشاؤون، وتكون الكرة لهم لملاحقة ومطاردة الأخيار والصالحين في جميع ميادين الحياة، ولا يبقى للأخيار والصالحين أي منفذ للنجاة أو النهوض بالامر من جديد، فيعيشون الذل والامتهان إضافة إلى الأذى والتعذيب، وأعظم من ذلك تخلي الرعاية الإلهية عنهم، وعدم استجابة الله تعالى لدعائهم.
قال رسول الله (ص): لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم[12].
وإذا تسلط الأشرار عم الظلم والجور والاعتداء على الأنفس والاعراض والأموال، والاعتداء على جميع الحرمات والمقدسات، وعم فساد الأخلاق وتحللها، وضعف العلاقات الاجتماعية، وتفكك كيان الأسرة التي هي نقطة البدء في اصلاح الجيل الناشئ، والحفاظ على سلامته الروحية، وحينئذ سيفتقد الأمان والاستقرار والطمأنينة.
الاستنتاج
أن المقالة تشير إلى النتائج الإيجابية التي يحققها الالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل هداية الأفراد والمجتمعات وتعميق الإيمان وتعزيز الأمن والسلام. من خلال تعزيز القيم الإسلامية، يسهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحقيق السعادة والعدالة ورفاهية المجتمع. بالمقابل، تشير المقالة إلى العواقب السلبية الناتجة عن التخلي عن هذه المسؤولية، مثل العقاب الإلهي واللعنة، وزيادة الانحراف وفقدان الاستقرار. كما توضح أن غياب الأمر بالمعروف يتيح للأشرار السيطرة على المجتمع، مما يؤدي إلى تفشي الفساد والأذى والظلم.
الهوامش
[1] الأعراف، 96.
[2] الجن، 16.
[3] الرعد، 11.
[4] الأنفال، 53.
[5] المتّقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص68.
[6] الهيثمي، مجمع الزوائد، ج7، ص267.
[7] الأنعام، 65.
[8]الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص399 ، الخطبة 192.
[9] الأنفال، 24.
[10] الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص542 ، الحكمة، 375.
[11] مشكاة الأنوار، ص49.
[12] المتّقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص687، رقم 8464.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
3ـ الطبرسي، علي، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، النجف، المكتبة الحيدرية، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.
4ـ المتّقي الهندي، علي، كنز العمّال، بيروت، مؤسّسة الرسالة، طبعة 1409 ه.
5ـ الهيثمي، علي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة 1408 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
مركز الرسالة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قم، مركز الرسالة، الطبعة الأُولى، 1430 ه.