من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو أبو سفيان بن حرب، وسنتطرق باختصار إلى سيرته وما قيل فيه، ثم نتطرق الى روايات اللعن من قبل رسول الله (ص)، كما ننقل كلمات الإمام الحسن (ع) في حقه، وما نزلت فيه من الآيات القرآنية. ورد في كتاب أعلام القرآن ما يلي:
«صخر بن حرب» هو أبو سفيان وأبو حنظلة صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة القرشيّ، الأموي، المكّي، وأمّة صفيّة بنت حرب، وقيل: حزن الهلاليّة، وزوجته هند بنت عتبة.
أحد رجالات قريش وشخصيّاتهم المعروفين بالشرك والكفر وعبادة الأوثان، وكانت إليه راية الرؤساء المسمّاة بالعقاب، وإذا حميت لهم حرب اجتمعت قريش فوضعتها بين يديه، وهو أصل الشجرة الأمويّة البغيضة الملعونة، ووالد معاوية وجدّ يزيد.
ابرز خصوم النبي (ص) في مكة
كان أبو سفيان شجاعا فاتكا، شاعرا، تاجرا، ومن أثرياء قومه، وكان يتجر في الزيت والأدم إلى بلاد الشام وبلاد العجم وغيرها؛ ولد قبل عام الفيل بعشر سنين، وأصبح من ألدّ خصوم النبي (ص) والإسلام والمسلمين، وحجر عثرة أمام انتشار الشريعة الغرّاء.
قام أبو سفيان بتجميع الأحزاب والجيوش لمقارعة النبي (ص) وإيقاف دعوته، وبذل أموالا طائلة وجهودا جبّارة ليصدّ النبي (ص) عن دعوته، فكان بنفاقه وأمواله وكل ما لديه من حول وقوّة رأس كل فتنة ومؤامرة حاكتها قريش على النبي (ص) والمسلمين.
أبو سفيان وروايات اللعن النبوي
لعن النبي محمد (ص) أبا سفيان في مواطن عديدة، منها: ما روي عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب بأنه قال: «إنّ أبا سفيان ركب بعيرا له ليلة العقبة، ومعاوية يقوده، ويزيد يسوقه، فرآهم النبي (ص) فقال: اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق».
ولعنه النبي (ص) في مناسبات أخر، منها: يوم هجرته من مكّة إلى المدينة، ويوم العير، ويوم أحد حيث قاد أبو سفيان قريشا كلّها لحرب المسلمين، ويوم الخندق، ويوم الحديبية وغيرها.
ويوم مات عمر بن الخطاب وتسلّم الحكم عثمان بن عفّان قال أبو سفيان لعثمان: بأبي أنت وأمّي تداولوها يا بني أميّة تداول الولدان للكرة، فواللّه! ما من جنّة ولا نار.
أبو سفيان في كلمات الإمام الحسن (ع)
وقال الإمام الحسن المجتبى (ع) في محضر معاوية بن أبي سفيان وأصحابه: (أنشدكم باللّه أتعلمون أنّ أبا سفيان أخذ بيد الحسين بن علي (ع) حين بويع عثمان بن عفّان وقال: يا بن أخي أخرج معي إلى بقيع الغرقد – مقبرة المدينة المنورة – فخرجا حتى توسّطا القبور، فصاح أبو سفيان بأعلى صوته: يا أهل القبور؛ الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم، فقال الحسين (ع): قبّح اللّه شيبتك، وقبّح اللّه وجهك، ثم نتر يده وتركه.
قال عبد اللّه بن العبّاس: واللّه ما كان أبو سفيان إلّا منافقا.
أبو سفيان من فتح مكة الى دفنه
يقال: إنّه أسلم ليلة فتح مكة سنة 8 ه، خوفا من القتل، واستعمله النبي (ص) على نجران، وشهد مع النبي (ص) حنينا والطائف، وفي يوم الطائف فقئت إحدى عينيه، واشترك في واقعة اليرموك، وفيها فقئت عينه الأخرى.
وبعد وفاة النبي (ص) رجع أبو سفيان إلى مكّة وأقام بها مدّة ثم رجع إلى المدينة، ولم يزل بها حتى هلك، وقيل: هلك بدمشق وهوأعمى سنة 31 ه، وقيل: سنة 32 ه، وقيل:
سنة 34ه، وقيل: سنة 33ه، وصلّى عليه عثمان بن عفان، ودفنوه في البقيع بالمدينة المنوّرة. وكان عمره يوم مات 88 سنة، وقيل: 93 سنة.
القرآن العظيم وأبو سفيان
اتّفق أبو سفيان وكافر آخر يدعى كعب بن الأشرف على محاربة النبي (ص) في معركة أحد، فنزلت فيهما هذه الآية: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمِهادُ[1].
ولكونه كان ومن على شاكلته من المشركين يبذلون أموالا طائلة يوم واقعة بدر للقضاء على النبي (ص) والمسلمين نزلت فيهم هذه الآية من نفس السورة: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ[2].
بعد معركة أحد أوقع اللّه الرعب في نفوس أتباعه وسائر المشركين، فنزلت فيهم هذه الآية من نفس السورة: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ…[3].
ونزلت فيه وفي أتباعه هذه الآية من السورة نفسها: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ…[4].
وشملت أبو سفيان الآية الكريمة من سورة الأنعام: ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ[5].
بعد أن انكسر الكفار في واقعة بدر وأصابهم الفشل والخسران اجتمع أبو سفيان بجماعة من الكفار وقرّروا جمع الأموال والعتاد لغزو النبي (ص)، فنزلت فيهم هذه الآية من سورة الأنفال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ[6].
كان أبو سفيان يبذل الأموال الكثيرة لإطعام الكفّار والمشركين، ويمتنع عن إطعام المسلمين أتباع النبي (ص)، فنزلت فيه هذه الآية من سورة التوبة: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ[7].
كان أبو سفيان وبعض المشركين يستمعون إلى قراءة النبي (ص) وهو يتلو القرآن ثم يقولون باستهزاء للنبي (ص): قلوبنا في أكنّة لا نفقه ما تقول، وفي آذاننا وقر لا نسمع ما تقول، وبيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه إنّنا عاملون بما نحن عليه، إنّا لا نفقه منك شيئا، فأنزل اللّه فيه وفي أصحابه هذه الآية من سورة الإسراء: وإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً[8].
ولنفس السبب نزلت فيهم هذه الآية من نفس السورة: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْراً وإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً[9].
جاء هو وجماعة من المشركين إلى النبي (ص)، وطلبوا منه أشياء إن نفّذها لهم آمنوا به وتبعوه، فتحدّثت عن ذلك الآيات 90 و91 و92 و93 من سورة الإسراء.
كان هو وأبو جهل يكثران من الاستهزاء بالنبي (ص)، فنزلت فيهما هذه الآية من سورة الأنبياء: وإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً[10].
قام المترجم له وأعوانه من المشركين بمنع النبي (ص) عن أداء عمرة الحديبية، فنزلت فيهم هذه الآية من سورة الحجّ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً[11].
بعد أن غضب اللّه على قريش لكفرهم وشركهم وبعد أن أصابتهم سنو الجدب والقحط جاء أبو سفيان إلى النبي (ص) وقال: أنشدك اللّه والرّحم أنّك تزعم بعثت رحمة للعالمين، قال (ص): بلى! فقال أبو سفيان: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فنزلت فيه هذه الآية من سورة المؤمنون: ولَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ[12].
بعد معركة أحد قدم هو وجماعة من المشركين إلى النبي (ص) وقالوا: لا تذكر آلهتنا – اللات والعزّى ومناة – وقل: إنّ لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها، وندعك وربّك، فنزلت فيه وفيهم هذه الآية من سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الْكافِرِينَ والْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً[13].
جعله اللّه من جملة الكافرين في هذه الآية من سورة محمّد: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ[14].
ولكونه كان من الذين ساءت أعمالهم واتّبعوا أهواءهم في عبادة الأصنام شملته هذه الآية من نفس السورة: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ[15].
كان من الذين يتفاخرون على غيرهم بأموالهم وأنسابهم، فنزلت فيهم هذه الآية من سورة الحجرات: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[16].
عن الإمام أمير المؤمنين (ع) قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول اللّه (ص) فقال: الأمر بعدك لمن؟ فقال النبي (ص): لمن هو منّي بمنزلة هارون من موسى، فنزلت في أبي سفيان الآية من سورة النبأ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ.
كان أبو سفيان في كل أسبوع ينحر جزورين، وفي إحدى المرّات جاءه يتيم فسأله شيئا، فنهره وطرده، فنزلت فيه الآية 1-3 من سورة الماعون: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ.[17].
الاستنتاج
أن المقال يعرض سيرة أبو سفيان بن حرب عبر محطات تاريخية رئيسة: نسبه القرشي الأموي ومكانته الاقتصادية كالتاجر وبراعته السياسية في مكة. يركز على دوره كأحد أبرز خصوم النبي محمد (ص)، وجهوده في تجميع الأحزاب والجيوش لإيقاف الدعوة الاسلامية وتكاليفه المادية والمعنوية في مواجهة المسلمين. كما يورد روايات عن لعنه النبي (ص) له في مناسبات متعددة، وما نقله الإمام الحسن المجتبى (ع) في حقه ثم ينتقل إلى سيرة حياته من فتح مكة إلى وفاته ودفنه في البقيع مع ذكر شيوع روايات حول إسلامه المحتمل. ثم يضيف الآيات القرآنية نزلت في حقه ومواقفه من الدعوة الاسلامية.
الهوامش
[1] آل عمران 12.
[2] آل عمران 117.
[3] آل عمران 151.
[4] آل عمران 172.
[5] الأنعام 25.
[6] الأنفال 36.
[7] التوبة 9.
[8] الأسراء 45.
[9] الأسراء 46.
[10] الأنبياء 36.
[11] الحج 25.
[12] المؤمنون 76.
[13] الأحزاب 1.
[14] محمد 11.
[15] محمد 14.
[16] الحجرات 13.
[17] (1) الأخبار الطوال، ص219؛ اسباب النزول للواحدي، ص84 وص260 وص292 وص331 وص398؛ اسد الغابة، ج3، ص12، وج5، ص216؛ الاصابة، ج2، ص178، وج4، ص91؛ الأغاني، ج6، ص92؛ تاريخ الطبري، ج3، ص33؛ التاريخ الكبير للبخاري، ج4، ص310؛ تجريد أسماء الصحابة، ج1، ص263 وج2، ص174؛ تفسير الجلالين، ص72 وص86 وص181 وص189؛ تفسير الطبري، ج15، ص110؛ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج3، ص387؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص63 ؛ تقريب التهذيب، ج1، ص365 وج2، ص429؛ تهذيب الأسماء واللغات، ج2، ص239؛ تهذيب تاريخ دمشق، ج6، ص390؛ تهذيب التهذيب، ج4، ص361 وج12، ص123؛ تهذيب سير أعلام النبلاء، ج1، ص53؛ تهذيب الكمال، ج13، ص119؛ الجامع لأحكام القرآن، ج10، ص328.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.