تُعد مسائل توحيد الله من أهم الموضوعات التي تشغل الفكر الإسلامي، حيث تسلط الضوء على طبيعة الإله وصفاته، في هذه المقالة نستعرض ثلاث مسائل محورية تتعلق بتوحيد الله: وجوب النظر في معرفة الله تعالى، وقدم الله، ووحدانيته، وتُظهر مسألة وجوب النظر أهمية التفكير والتأمل في العقائد كوسيلة لتحقيق المعرفة الحقيقية، ثم نتناول مسألة القدم، حيث نتساءل عن طبيعة وجود الله وما إذا كان محدثًا أم قديمًا، وأخيرًا نتناول مسألة الوحدانية، وأنه تعالى واحد لا شريك له في صفاته وأفعاله.
مسألة في وجوب النظر
من المسائل في توحيد الله، مسألة في وجوب النظر في معرفة الله تعالى، قال الشيخ أبو صلاح الحلبي: أول الأفعال المقصودة التي لا يصح خلو العاقل منها وجوبا النظر المؤدي إلى المعرفة، يفرق ما بين الحق والباطل.
لأن كل عاقل نشأ بين العقلاء يعلم اختلافهم، ودعوة كل فريق منهم إلى مذهبه وتخويفه من خلافه، فيخافهم لا محالة، وإذا خاف وجب عليه التحرز مما خافه، لعلمه ضرورة بوجوب التحرز من الضرر، فلا يخلو أن يتحرز باتباع الجل، أو اطراح الجل، أو اتباع بعض عن نظر، أو تقليد، واتباع الجل محال، لتنافي ما بينهم، واطراح الجل يقتضي كونه على ما كان عليه من الخوف.
واتباع البعض عن تقليد لا يرفع خوفه مما أطرحه من المذاهب، لتجويز كونه حقا، ولا يقتضي سكونه إلى ما ذهب إليه، لتجويز كونه باطلا.
فلم يبق لتحرزه من الضرر المخوف إلا النظر المميز للحق من الباطل، فوجب فعله، لكونه تحرزا من ضرر، وليس لأحد أن يعترضنا بأن: ما يعطينا هذا الاستدلال وجوب النظر للتحرز من ضرر المذاهب، ولا يفيد الوجه الذي يشترطونه في وقوع المعارف المتولدة عن النظر الموقع الذي يستحق بها وبما تولدت عنه الثواب ويؤمن العقاب.
لأن الوجه الذي لأجله وجب النظر على جميع الطرق كونه تحرزا من ضرر مخصوص، وهذا الوجه حاصل في هذه الطريقة، فيجب مساواتها لطريقتي العلم بالثواب والعقاب ووجوب معرفة فاعل الحي وما هو عليه من النفع، من حيث كان الناظر عند الخوف من معرة أهل الحق والباطل إنما ينظر في الأدلة للوجه الذي خوفه الدائن بها، من كونها طرقا إلى معرفة من خلقه حيا قادرا عاقلا سميعا بصيرا، وخلق المنافع له، وكلفه فعل الواجب وترك القبيح.
ليعلم بمعرفته كونه منعما فيشكره، ومكلفا لما يستحق الثواب عليه من فعل الواجب واجتناب القبيح بفعل هذا والاخلال بذاك فيؤدي الواجب عليه من شكره، فيحوز به المدح والثواب، ويأمن الذم والعقاب على الوجه الذي يستحق عليه الذم والمدح أقرب من الواجب وأبعد من القبيح.
ووقوع نظره على هذا الوجه موجب لحصول المعارف به للوجه الذي له وجبت بغير شبهة، ومقتض لاستحقاق الثواب بما فعله من النظر وتولد عنه من المعرفة، وإن نظر في الشبه، فهو غير منفك من الخوف واستحقاق العقاب وفوت الثواب بترك النظر في أدلة المعارف، وإذا لم ينفك من الخوف منها والحال هذه، فإنما ينظر في شبه المبطلين ليعلم هل هي شبه أم أدلة؟ فمتى وفي النظر حقه كشف له عن كونها شبها، واضطره الخوف إلى النظر في الأدلة، وأفضى به إلى العلم بمدلولها.
فبان لحوق هذه الطريقة في وجوب النظر بالأوليين في وقوعه موقعه، وحصول المعارف عنه لوجهها، وإن كان ترتيبها مخالفا لترتيبها.
مسألة في كونه تعالى قديماً
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كون الله تعالى قديماً، قال الشيخ الحلبي: ويجب أن يكون تعالى قديماً، لأنه لو كان محدثا لتعذر عليه تعالى ما يتعذر على المحدث من الأجناس، وفي اختصاصها به سبحانه دليل على قدمه.
وإسناد ذلك إلى كونه تعالى قادرا لنفسه يقتضي كونه قديما أيضا، لاستحالة كون المحدث قادرا لنفسه، لتماثل جنس المحدث القادر، ووجوب اشتراك المتماثلين في صفة النفس، وتعذر الحصر والاختصاص في مقدوراته تعالى، وحصول العلم باختصاص المحدثين ببعض الأجناس، وانحصار ما يقدرون عليه منها، ووجود أكثر الجواهر الموجودة غير قادرة.
طريقة أخرى لإثبات القدم
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كونه تعالى قديماً، قال الشيخ الحلبي: لو كان فاعل الأجناس محدثا لاحتاج إلى محدث، وذلك يقتضي وجود ما لا يتناهى، أو إثبات قديم بغير دليل، وكلا الأمرين محال، وقلنا: إن تقدير حدوث فاعل العالم يمنع من إثبات قديم، بدليل: أنه إذا جاز وجود سائر الأجناس من محدث جاز إسناد إحداثه إلى محدث، إذ لا يكون المحدث إلا من أجناس المحدثات، فيتعذر إثبات قديم تستند الحوادث إليه، فيلزم ما قلناه من وجود ما لا نهاية له، مع استحالته بدليل وجوب حصر ما وجد.
طريقة أخرى مختصة بالمعاني المذكورة
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كونه تعالى قديماً، قال الشيخ الحلبي: قد علمنا حدوث الحياة والقدرة والألوان والطعوم وسائر ما ذكرناه من الأجناس المخصوصة، وأن لما محدثا قادرا عالما حيا موجودا: لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه، أو بقدرة، ولو كان قادرا بقدرة لتعذرت عليه سبحانه هذه الأجناس كتعذرها على الأجسام القادرة بقدرة أو… منه سبحانه، فثبت أنه تعالى قادر لنفسه: لا يخلو أن يكون قديما، أو محدثا، وكونه قديما يصحح ما قلناه، وكونه محدثا يقتضي حاجته إلى محدث بعد محدث، وقد بينا فساد ما يؤدي إليه ذلك.
ولو صح تقدير قديم تنتهي الحوادث إليه – مع استحالته – لم يقدح في طريقتنا، لأن كونه فاعلا يقتضي كونه قادرا لنفسه أو بقدرة، وكونه قادرا بقدرة يحيل تعلق إيجاد حي قادر عليه به، كتعذر ذلك على كل قادر في الشاهد، لكونه قادرا بقدرة، وكونه قادرا لنفسه يقتضي مشاركة فاعل هذه الأجناس له في القدم، لمشاركته له في صفة النفس، فصح الاستدلال بهذه الأجناس على جملة المعارف من دون العلم بحدوث الأجسام.
ودل ذلك على حدوث الأجناس على الوجه الذي بيناه، بضد ما ظنته المعتزلة: من تعذر الاستدلال على حدوثها بغير الأكوان، وإثبات محدث من دون حدوث الأجسام، المنافي لما تضمنه القرآن من الاستدلال بتجدد صفات الأجسام، التي ذكرناها على إثباته تعالى وما يجب كونه عليه سبحانه ويجوز ويستحيل، كقوله تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة الحج 5-6)، وأمثال هذه الآيات.
وقد علمنا أن الاستدلال منها بتجدد الجواهر لا يمكن، لصحة تنقلها في الجهات، وتجويز كل ناظر لذلك يمنع من القطع على وجودها في الحال بعد عدم، ولأنه سبحانه كور الاستدلال بصفة متجددة للجواهر بعد صفة، ولو كان الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا، ولم يكن لتكرير الصفات معنى، لأن جواهر الموصوف موجودة منذ أخبر سبحانه بالتراب.
ولأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل لو دل إلا بذكر التراب دون ما بعده، لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب، وجواهر العلقة هي النطفة، والمضغة هي العلقة، والعظم هو المضغة، فلم يبق لاستدلاله سبحانه بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس التي ذكرناها، الحالة في الجواهر الدالة بتجددها على أن لها مجددا، وبتعذرها على الأجسام على كونه سبحانه مخالفا لها، وبكونها محدثة على أنها مربوبة له، بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة منزله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
وإنما قلنا بتعذر جنس الجواهر – وما ذكرناه من أجناس الأعراض ومقاديرها ووجوهها الدالة على كون فاعلها عالما على الحي القادر من الأجسام – لتوفر دواعيه إليها، وخلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال، وتعذر تحصيلها من غير مانع معقول، وما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة، إذ بها حصل الفرق بين المستحيل والجائز.
وإلا قد بينا أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدرة، والقدر من حيث كانت قدرا يستحيل بها فعل شئ من هذه الأجناس لا مباشرة ولا متولدة، بدليل استعمال محل القدرة والاعتماد في سائر الجهات، ولا يحصل شئ من هذه الأجناس.
فالاختراع متعذر بجنس القدر، بدليل افتقارها في التأثير إلى استعمال محلها على طريقة واحدة، ولما يجده الحي من عظيم المشقة في مباشرة بعض الأفعال لمحل القدر، ولو كان الاختراع مقدورا للقدر لم يكن لقادر إلى تحمل المشاق داع.
وليس لأحد أن يقول: إن المانع من حصول هذه الأجناس من المحدث هو فقد علم، أو آلة، أو بنية، أو قدرة لو فعلت للمحدث لتأتي بها ما تعذر؛ لأن العلم والآلة والبنية إنما يحتاج إليها في وجه الفعل دون حدوث جنسه، فلا يجوز أن يكون فقدها مؤثرا في تعذر الجنس والمقدور.
يوضح ذلك: صحة وقوع الأجناس المقدورة المفتقر حصولها على الوجوه إلى العلم والبنية والآلة من دونها، ولأن العلم وأكثر الآلات مقدور به للجسم، فلو كان التعذر مستندا إليها لصح من بعض الأجسام تحصيلها، ولم يتعذر بهما إيجاد الجواهر والحياة وسائر الأجناس، ويفعل له القديم سبحانه ما لا يقدر عليه من الآلات والبنى، فيصح ذلك منه، والمعلوم خلاف ذلك.
والقدر وإن اختلفت فمقدورها متفق، بدليل تساوي أحوال القادرين بقدر فيها يصح من كل منهم ويتعذر عليه، ولو صح اختلاف متعلقها لجاز وقوع قادرين على الأكوان دون الأصوات، وعلى الإرادات دون الاعتقادات والمعلوم خلاف ذلك.
ولأن تقدير قدرة يصح بها ما يتعذر بهذه القدر ينقض أحكام سائر الأجناس، وما يستند به كل جنس منها من الحكم الراجع إلى ذاته، فيصح وجود كون يصح به الفعل، وطعم يتعلق بالمعلومات، وقدرة وعلم يوجبان للمحل حكم الطعم واللون، وإن كان الموجود من هذه الأجناس بخلاف ذلك، وهذا غاية في التجاهل.
ولأن ذلك يصحح وقوع الجواهر والحياة في أكثر الأجسام، بأن يفعل لها قدر يصح بها وهو محال؛ ولأن القدر لو اختلف متعلقها لصح بالقدرة الواحدة حمل الحمل، ولتعذر ببعضها ما يصح بالبعض، فيكون بعض القادرين مختصا ببعض المقدورات، وذلك بسط الفساد.
وبهذا نعلم تعذر إضافة ما عليه الأجسام من الصفات المخصوصة إليها، لأن تعذر الأجناس منها يحيل تعلق وجوهها ومقاديرها التي لها اختلفت الأجسام، لأنه لا يقدر على تحصيل الذات على وجه، ويوجد من الجنس مقدارا دون مقدار من لا يقدر على ذواتها، ونقلها من محل إلى محل مستحيل.
وليس لأحد أن يعترضنا لإدخال العلم الضروري في جملة الأجناس المتعذرة على المحدث، مع كونه مقدور الجنس لكل محدث، لأن العلم وإن كان مقدورا للمحدث ففعله في غيره مستحيل، بدليل توفر الدواعي إلى تعلم من يهم تعليمه، وتعذر ذلك لغير وجه معقول إلا الاستحالة، ولأن العلم منا لا يقع إلا متولدا أو مستندا إلى توليد، ولا سبب له إلا النظر، والنظر من أفعال القلوب، ولا جهة له، وما لا جهة له لا تعدى به الأفعال.
وإذا تعذر فعل العلم في الغير على المحدث لم يجز إسناد العلوم الضرورية إلى غير العالم بها من المحدثين، ولا إضافتها إليه، لكونه مضطرا إلى معلومها وحصولها له ابتداء من قصد، وإذا تعذرت إضافتها إلى العالم بها وغيره من المحدثين، ثبت اختصاصها بالقديم سبحانه.
وكذلك القول في الألم المبتدأ تستحيل إضافتها إلى المحدث، لأنه لا يقدر عليه إلا متولدا عن الوهي بغير شبهة، فإذا علمنا وجود آلام مبتدأة غير متعلقة بنا علمنا أنها جارية مجرى العلوم الضرورية والحياة والأجناس المذكورة، فدلت كدلالتها.
وإذا ثبت كونه سبحانه قديما لم يخل أن يكون قديما لنفسه، أو لمعنى قديم، أو محدث، أو بالفاعل، وكونه كذلك لمعنى محدث أو بالفاعل محال، لتجدد مقتضى ذين الصفتين، وحصول الوجود للقديم فيما لم يزل.
وإسناد ذلك إلى معنى قديم لا يصح، لأن القول فيه، ولم كان كذلك؟ كالقول في فاعل العالم سبحانه، فإما وجود ما لا نهاية له من المعاني القديمة، أو الانتهاء إلى قديم لنفسه يجب معه كون القديم سبحانه كذلك من دون معنى قديم.
مسألة في كونه تعالى واحداً
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كون الله تعالى واحداً، قال الشيخ الحلبي: وهو سبحانه واحد لا ثاني له في القدم والاختصاص، لأنه لو جاز وجود قديمين قادرين لأنفسهما، لم يخل أن يكون مقدورهما واحدا من حيث كانا قادرين لأنفسهما، أو متغايرا من حيث كانا قادرين، وكون مقدورها واحدا يحيل كونهما قادرين، وتغاير مقدورهما يحيل كونهما قادرين لأنفسهما، فثبت أنه سبحانه واحد لا ثاني له.
وقلنا: إن من حق القادرين أن يتغاير مقدورهما؛ لأن تقدير مقدور واحد لقادرين يصح له معه أن يدعو أحدها إلى إيجاده داع خالص من الصوارف، وتتوفر صوارف الآخر عنه، فإن يوجد يقتضي ذلك إضافته إلى من يجب نفيه عنه، وإن لا يوجد يجب نفيه عمن يجب إضافته إليه، وكلا الأمرين محال.
وقلنا: إن تقدير قادرين لأنفسهما يوجب كون مقدور ما واحدا؛ لأن من حق القادر لنفسه أن يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا إذ تخصيص مقدوراته وانحصارها يخرجه عن كونه قادرا لنفسه، وإذا صح هذا فمقدور كل قادر لنفسه يجب كونه مقدورا لمماثله في هذه الصفة، وذلك يحيل تغاير مقدورهما.
طريقة أخرى لإثبات الوحدانية
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كونه تعالى واحداً، قال الشيخ الحلبي: وهو لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، وكونه واحدا يقتضي إضافة الفعل إلى من يجب نفيه عنه، أو نفيه عمن يجب إضافته إليه، لصحة اختلاف الدواعي والصوارف منهما، وكونه متغايرا يقتضي اجتماع الضدين، وارتفاع الفعل من القادر عليه لغير وجه، وكلاهما محال، فثبت أن صانع العالم سبحانه واحد.
وقلنا بذلك لأن تقدير تغاير مقدورهما يصحح توفر دواعي أحدهما إلى ما توفرت عنه صوارف الآخر، فإن يوجد المقدوران يجتمع الضدان، وإن يرتفعا فلغير وجه معقول، من حيث علمنا أنه لا وجه يقتضي تعذر الفعل على القادر لنفسه.
وليس لأحد أن يقول: وجه ارتفاع المقدورين كونهما قادرين على ما لا نهاية له؛ لأن المصحح لوقوع الفعل هو كون الذات قادرة، فلا يجوز أن يجعل ذلك وجها لتعذره، لأنه يقتضي كون المصحح للشئ محيلا له، وذلك فاسد.
وليس له أن يقول: وجه التعذر أن أحدهما ليس بالوجود أولى من الآخر، لأنا نعلم هذا في مقدوري الساهي، وقد يوجد أحدهما، وليس له أن يقول: اشتراكهما في العلم بالمقدورات والدواعي منهما يحيل اختلاف الدواعي منهما، لأن الاشتراك في العلم بالشئ وما يدعو إلى فعله لا يمنع من اختلاف الدواعي إليه.
يوضح ذلك: علم كل عاقل بحسن التعقل، وما للمحتاج إليه فيه من النفع وعدم الضرر لما، وقد يدعو بعض العالمين بذلك دواعي فعله، وينصرف عن ذلك آخرون.
طريقة أخرى لإثبات أنه واحداً
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كونه تعالى واحداً، قال الشيخ الحلبي: وهو أنا قد دللنا على أن فاعل العالم سبحانه مريد بإرادة موجودة لا في محل، فلو كانا قديمين لم يخل إذا فعل أحدهما أو كلاهما إرادة على الوجه الذي يصح كونه مريدا بها، لم يخل أن يوجب حالا لهما، أو لأحدها، أو لا يوجب، وإيجابها لها محال إيجاب الإرادة الواحدة لحيين، كاستحالة إيجابها لحي واحد حالتين، لأن إيجاب الإرادة لحي واحد حالتين أقرب من إيجابها لحيين، فإذا استحال أقرب الأمرين فالأبعد أولى بالاستحالة.
وأيضا فإن إيجاب الإرادة الحال أمر يرجع إلى ذاتها، فلو أوجبت في بعض المواضع حالا لحيين لوجب أن يوجب ذلك في كل موضع، لأن الحكم المسند إلى النفس لا يجوز حصوله في موضع دون موضع، وقد علمنا استحالة الإرادة الواحدة حالا لحيين فيما بنينا، فيجب الحكم بمثل ذلك في كل إرادة، وإيجابها لأحدهما محال، لأنه لا نسبة لها إلى أحد القديمين إلا كنسبتها إلى الآخر، ولا وجه لتخصصها بأحدهما، وإن لا يوجب حالا يوجب قلب جنسها، وهو محال.
وإذا كانت دالة على كون فاعلها مريدا، وكان تقدير قديم ثان يحيل كون فاعل العالم سبحانه مريدا، ثبت أنه واحد لا ثاني له، وليس لأحد أن يخصص إيجابها حالة المريد لمن هي فعله، وتابعة لدواعيه دون الآخر، كما يقولون فيمن فعل فيه إرادة لدخول النار وهو مشرف على الجنة: في أن هذه الإرادة لا تؤثر، لكونها غير تابعة لدواعيه، ولا يدخل هذا المريد إلا الجنة، لمجرد الداعي؛ لأن الدليل مبني على استحالة حصول موجب الإرادة، وهو حال المريد مع تقدير قديمين، ولا يفتقر ذلك إلى حدوثها تابعة لدواعي محدثها، فإنما تحتاج إلى ذلك في تأثرها دون إيجابها الحالة المقتضاة عن نفسها الواجب حصولها بشرط وجودها على كل وجه.
ألا ترى أن الإرادة المفروض فعلها في الحي لدخول النار قد أوجبت كونه مريدا، وإنها لم تؤثر دخولها لكونها غير تابعة لدواعيه، فصار القدح وفقا للاستدلال على ما تراه، والمنة لله، ولأن اختلاف دواعي القديمين محال؛ لاختصاص دواعي القديم بالحكمة المستحيل تعري قديم منها، وعلى هذا الدليل ينبغي أن يعول من طريق العقل، لاستمراره على الأصول وسلامته من القدح.
طريقة أخرى لإثبات الوحدانية
من المسائل في توحيد الله، مسألة في كونه تعالى واحداً، قال الشيخ أبو صلاح الحلبي: وهو علمنا من طريق السمع المقطوع على صحته: أن صانع العالم سبحانه واحد لا ثاني له، والاعتماد على إثبات صانع واحد سبحانه من طريق السمع أحسم لمادة الشغب وأبعد من القدح، لأن العلم بصحة السمع لا يفتقر إلى العلم بعدد الصناع، إذا كانت الأصول التي يعلم بصحتها صحة السمع سليمة، وإن جوز العالم بها تكاملها لأكثر من واحد، من تأمل ذلك وجده صحيحا، وإذا لم يفتقر صحة السمع إلى تميز عدد الصناع أمكن أن يعلم عددهم من جهته، فإذا قطع العدد بكونه واحدا وجب العلم به، والقطع ينفي ما زاد عليه.
الاستنتاج
أن مسائل توحيد الله تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: وجوب النظر، القدم، والوحدانية، ويُبرز وجوب النظر أهمية التفكير العقلاني في فهم العقيدة، حيث يُعد وسيلة لتحقيق المعرفة الحقيقية والتمييز بين الحق والباطل، كما تؤكد مسألة القدم على ضرورة أن يكون الله قديمًا، مما ينفي عنه صفة الحدث ويثبت استمرارية وجوده، وأخيرا تُظهر مسألة الوحدانية أن الله واحد لا شريك له، مما يعزز مفهوم التوحيد في الإسلام، تتكامل هذه القضايا لتشكل أساسا قويا لفهم طبيعة الله وصفاته.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الحلبي، أبو صلاح، تقريب المعارف، قم، تحقيق ونشر فارس تبريزيان الحسون، طبعة 1417ه.